Journal

الصفحة الأساسية > الجريدة العربيّة > عنصريّة بلا عنصر

عنصريّة بلا عنصر

الاثنين 22 شباط (فبراير) 2021, بقلم Ahmed Slama

النص مسموع :

00:00 / 00:0 و10 دقيقة1

هناك أماكن ملطّخة بذكريات، مرتبطة بأوقات مهمّة في حياتنا، لكن بعدها الزّمني يجعلنا نصدّق أنها حكاية قد سمعناها أو رواية قد قرأناها, أن هذه الذكريات تَنتَمي إلى حياة أخرى.

نهاية عام 2020، "أفينيون" [Avignon]، آخر ليلة أمضيها في هذه المدينة، سوف لن أعود إليها. لقد عشت فيها لمدة طويلة و زُرتُهَا عدّة مرات حين غادرتُها. قد وصلتُ في هذه المدينة شهر جويلية 2011، في منتصف المهرجان المسرحي العالمي المشهور، خلال هذه الفترة الإستثنائيّة حيث يتغيّر الجو و تصبح المدينة الصّغيرة خاملة عادتاً نابضة بالحيويّة.

الأنوار و المسارح و المكتبات و المطاعم و أماكن اللّقاء كل هذا يُبَدّل بين عشية و ضحاها بالسّتارات الحديديّة و الأبواب المغلقة و اللّافتات –اللواتي كُتِب عليها "مغلق" – المعلّقات بشكل محرج على نوافذ المتاجر بقية العام. بضعة أسابيع من وصولي إلى المدينة عانيتُ بهذا التّحول الذي يحدث بعد المهرجان المخصص للأغنياء.

– حتى لو لم نكن نشاهد المسرحيات، نستمتع بالمهرجان قليلاً و بجوّه، بالبارات [bars] المفتوحة طوال الليل وبأشياء عديدة… لكن للتمتع بهذا الجو الاستثنائي يجب علينا الذهاب إلى وسط المدينة، هنا في "الروكاد" – حي في ضواحي المدينة – ليس هناك أي فرق بين جو المهرجان و الأجواء اليوميّة…

هذا ماقاله لي بعض السّكان، بين الفقراء و الأغنياء و الأثرياء حتى الجو غير متكافئ. الفقراءيأخذون ما يُعطى لهم، بضعة أسابيع فقط، ليس هناك أي ترفيه – أو يكون نادر –، يعود الجو إلى ملله المعتادحينما ينتهي المهرجان. السنوات الأولى اللواتي مضيتها ب"أفينيون" رايت الذبال التدريجي الذي تعاني به المدينة. المحلّات واحدة بعد الأخرى غلقت أبوابها بشكل دائم،كانت المكتبات أولى الضحايا و تحديداً مكتبة متخصصة في الروايات البوليسيّة.

وفي نهاية هذا العام 2020، متجولٌ لآخر مرّة في شوارع أفينيون صادفت لافتة جديدة في وسط المدينة "الكوميديا الإنسانية"[La Comédie Humaine]، مكتبة جديدة، إسمها إشارة إلى سلسلة روائية للكاتب الفرنسي الشهير أونوريه دي بلزاك[Honoré de Balzac]. علاقتي مع مكتبات أفينيون تتنتهي هكذا، بشكل إيجابي. لكن هناك علاقة أخرى ربطتني بالمدينة قد إنتهت، علاقة إداريّة مع مكاتب المقاطعة [La préfecture] أين الأجانب مثلي علينا أن نبرر بوجودنا وحياتنا على الأرض الفرنسيّة. ليس على جميع الأجانب القيام بذلك، هناك إفراز بين المحظوظين النّاشئيين في البلدان الغنيّة و أولئك الملعونين بسبب ولادتهم في بلد فقير.

الآن، بعد سنوات من المعانات الإداريّة، تجديد بطاقة الإقامة الفرنسية عمليّة سهلة، لدي إلا تقديم بعض الوثائق التي تثبت بحياتي في فرنسا. أنا بعيد الآن عن رهبة رفض طلبي للإستقرار في فرنسا أو عن الخوف من الطّرد الذي تابعني طوال سنوات عديدة. لا، الآن ما يؤلمني هو جو أفينيون، المدينة و كل ما تحتوي من المباني و البلاط و والجدران التي تحيط بوسط المدينة و الأشجار و حتى الأعشاب، كل هذا سار ملطّخ بذكريات سيئة. الجسر المشهور في مدينة أفينيون يذكرني بعض صفحات من رواية مارسيل بروست (Marcel Proust)البحث عن الزمن المفقود ، و بالضّبط مجلد جانب من منازل غيرمانت، ليست بين الصفحات المشهورة للكاتب الفرنسي، نكتشف فيها المُنَاهَضَة السَّامِيَّة و كره الياهود الذين يغذيان الشخصيات اللواتي يصفها بروست. جميع هذه الأشخاص تعطي آراؤها السيّئة و تعلق على قضية دريفوس (Dreyfus). وقعت هذه القضية في نهاية القرن التاسع عشر حيث اِتُهِِمَ النقيب ألفريد دريفوس - فرنسي الجنسية يهودي الديانة - بأنه أرسل ملفات فرنسية سرية إلى ألمانيا. كانت هذه القضية ذريعة لإنتشار الخطابات العنصريّة ضد الياهود. و بروست [Proust] يخصص بعض صفحات روايته إلى هذه القضيّة، معضم أشخاص الرواية يتهمون دريفوس. لكن هناك واحدة - إسمها شارلوس (Charlus) - تنكر ذلك و تبرر رأيها بالحجج التابعة :

"في اعتقادي أنّ الصحف تقول إنّ "دريفوس" ارتكب جريمة بحقّ وطنه، في اعتقادي انّ ذلك يقال، فلست أعير الصحف أي إنتباه ¦ إني أقرؤها مثلما أغسل يديّ دون أن أرى ذلك جدير بإثارة إهتمامي. و الجريمة أية كانت الأحوال لا وجود لها، فقد كان مواطن صديقك هذا ارتكب جريمة بحق وطنه لو أنه خان منطقة "يهودا"، ولكن ما شأنه وفرنسه" [1]

لا أعرف لماذا هذه الكلمات بقت في ذاكرتي ربما لأنها مرتبطة بمواضيع و خطابات حاليّة اللواتي نسمعها في التلفزة أو نقرؤها في بعض الصحف. هذه العلاقة التي يتم تأسيسها بين العرق و الدولة و الأمّة، في حالة شارلوس و في تفسيره دريفوس ليس فرنسي بسبب أصله اليهودي. نمط عادي حالياً للأسف، مسألة الجنسيات مرتبطة - لأغلبية الناس – بالماهية. أنتَ و أنتِ فرنسيّة أو جزائري أو صينيّة ليس حسب قصّتك أفكراك و لا حتى بطاقة تعريفك. ها هي مشكلة الحدود، تفرق بيننا البعض.

لماذا كل هذه الجنسيّات الحمقى ؟ليس هناك إلا فرق واحد بين النّاس، فرق مادي. الأغنياء، مثلاً، ليس لهم حدود جيوغرافية يتنقلون من بلد لآخر كما يشاؤون. أما الفقراء ليس لهم أي طاقة ماليّة ليتسلقو و يتجاوزو الحدود.لكن الثروة و الفقر مسألة درجة، قد تكون فقير في بلد و غني في آخر فقير، الفرنسي – حتى الفقير - يمكن له السّفر بل الجزائري أو السينيغالي مضاعف الفقر.

حالياً بمثل نمط شارلوس هناك فرنسيون و أمرييكيون أو بريطانيون يرون في العرب و السود و الأسيويون إلا لون بشرتهم كأن لون هذه البشرة يحدد السلوك. يقولون : "سلوكهم وثقافتهم ليسا مثل تقافتنا و سلوكنا". عنصريّة بلا عنصر، حجج العنصريّين حالياً ثقافيّة. وهذا نراه أيضاً في رواية بروست حين يكتب أن خادمة الرّاوي فرونسواز (Françoise) تتنتمي إلى عنصر الخادميين. العنصرية ايضاً مسألة طبقات إجتماعيّة.

ها هي الأسباب التي أدّت إلى مُكوث بعض صفحات بروست في ذهني و أني أتذكرها حتى اليوم. قراءة بروست مرتبطة بهذه المدينة التي غادرتها متخلصاً من المشاكل الإداريّة لكن دائماً مضيق بعنصريّة المجتمع الفرنسي...


[1مارسيل بروست، لبحث عن الزمن المفقود المجلد الثالث جانب منازل غارمانت، طرجمة إلياس بديوي، دار شرقيات، القاهرة، 1919 [1994].

أي رسالة أو تعليق؟

المنتدى اشتراك إجباري

قبل الاشتراك في هذا المنتدى، يجب أن تسجل نفسك. الرجاء إدخال أدناه المعرّف الشخصي الذي حصلت عليه. إذا لم يسبق لك التسجيل يجب ان تسجل نفسك.

الدخولتسجيلهل نسيت كلمة السر؟