Journal

الصفحة الأساسية > الجريدة العربيّة > غباء الأعياد

غباء الأعياد

الاثنين 8 شباط (فبراير) 2021, بقلم Ahmed Slama

النص مسموع :
00:00 / 00:0 و8 دقيقة11

الأيّام و الحفلات التي علينا إحترامها، لكن لم نوافق على حصولها. تقويم أو كلاندريي [1] لا عِلَّة له، بل هو عالةعلى المجتمع. حَلٌ واحدٌ ولا آخر لهذه المشكلة، الإنسحاب و الإنغلاق و الإنقطاع لبِضْعَة أسابيع. إستغلال هذا الوقت بطريقة مفيدة، نُحاول أن نَستَكشِفُ عن مناطق قد نَسَيناها أو لم نُعطيها الرّعاية و الإهتمام التي تستحقها. بالنسبة لي يمكن تلخيص هذه المجالات بعبارتين: اللّغة العربيّة و لغة ماركس، مراجعت و دراست العربية و قراءة رأس المال(في طرجمته الفرنسيّة) بضبط و إتقان. نهاية عام 2020، عام عجيب للأسباب التي نعرفها كلنا، عام عجيب لأن لا يمكنني الهروب من إحتفالات آخر العام.

لقد قُمتُ – في العشر السّنوات الماضية – بكل ما بوسعي للإبتعاد عن هذه الإحتفالات. لا، هذا ليس صحيح. لم تكن هذه العملية إراديّة فقط. في بعض الأحيان – معضمها ؟ – كانت سبب مصادفات. الإنفصال مع النّاس و المجتمع – رويدًا رويدًا – نما و إتَّسَعَ. أصل الإنفصال قديم …

31 ديسمبر الذي إحتَفَلَت به عدّة مرّات عائلتي في صالوننا، الأم و أﻷخ، الأخت و الأب، أنا و التّلفرة قاعدون حول المائدة الخشبيّة الطّّويلة كانت بها البوش [la bûche] –كعك على شكل حطبة – و إبريق من الشّاي الدّاخن و ثلاث قَرعَات (زجاجات) من اللّيموناد و القازوز و المشروبات الغازيّة. العائلة تشرب و تأكل و تشاهد و تسمع تفاهات التلفزة. مأسور في هذه اللّيلة، لم يكن عليّ إلا إنتظار العد التنازلي الذي يسبق منتصف الليل، حين كل العالم يتمنى لبعضه البعض : سنة سعيدة ! حين إذن أتوجه إلى غرفتي بعد تنظيف أسناني و جسمي و عقلي من كل هذه الغباوات.

عيد الفظر و عيد الأضحى، نفس الشيئ، تفاهات و تفاهات، العيد الأول يحول جميع المنازل إلى مصانع الحلوى و النساء إلى حلوانيات حرفيّات، و خلال العيد الثاني المدن و البلدان تصبح مجزرات في الهواء الطلق و النساء جزّارات مهنيّات.

هذه السفاهات أو كما نقول بالدّارجة الجزائريّة و الوهرانيّة : هذا الشّكيل بعيد عليّ دروك، الآن في فرنسا، بدون أيّ عائلة أو أقراب ،إبتَعَدَت الالتزامات الإجتماعيّة، ليس لي أيّ "واجب " مفروض علي أن أؤديه. أدرك أن كل ما أقوله هنا ساذج بشكل محير. الالتزامات الإجتماعيّة أو ما نسمّيه الواجب بالدّارجة ليس له أيّ حد. يلوح دائماً فوق رؤوسنا جاهز للهجوم علينا و ليجعلنا نموت مللًا. أي علاقة تستمر كافية لعودة "الواجب" الإجتماعي و إلتزاماته. هذا هو حالي في نهاية عام 2020. بعد عشر سنوات بدون هذا الإضطراب، ها أنا مسجون مرّة أخرى.

مرَرتُ بمدن عديدة – شمال و جنوب فرنسا – خلال الأشهر الأخيرة. قطارات و محطات. لستُ معتاداً على السّفر في هذه الأجواء الإحتفاليّة. في القطار الأول الذي استقلته وجدت نفسي بجانب سيّدة ظلّت تحدّق مرّة في وجهي و مرّة أخرى في الكتاب الذي كنتُ أتصفّحه وقد عيناها الحادتان بدأت – و إستمرت في – هذا التحديق المتأرجح من كتابي إلى وجهي ثم من وجهي إلى كتابي وهكذا ذهاباً إيّاباً – عندما أَخرَجتُ كتابي من حقيبتي و السيّدة لاحظت – في رعبة و خوف – هذه الحروف الغريبة – في نظرها – و هذا الكتاب الذي يُفتح على اليسار على عكس الكتب التي كانت متعودة على رؤيتها – أو مطالعتها ؟ لا، تم تكن هذه السّيدة من القرّاء. في أول محطة إسقر بها القطار و نزل فيها البعض من المسافرين، إلتزمت السيدة بجانبي الفرصة للإنتقال إلى مقعد آخر ، بعيد عني و كتابي ذو اللغة و الحروف الخطيرة – في رأيها .

وصلتُ بمحطات عديدة، في الشّمال ثم الجنوب ؟ أم العكس ؟ قد نسيتُ التّرتيب. في هذه الفترة الخاصّة التي نعرفها كلنا ليس هناك أي مقهى مفتوح، اي موقع نعتزل فيه. عليَّ الإكتفاء بالعصير الأسود الذي تستفرغه الآلات التي تم تركييبها في كل أركان المحطّة. رميت قطعة 50 سنتيم يورو في فم الآلة التي بلعتها وسَرَطَتْها بعد الضُّغوط على الأزرار المناسبة لإختيار إسبريسو [Espresso] دون سكر. بحتثُ عن مكان مهجور خالي من الناس ومرورهم، أسرعتُ إليه حين رأيته، هناك، قريب من إحدى أبواب المحطّة. الكوب البلاستيكي في اليد اليسرى و باليُمنى أنزلتُ القناع الجراحي على ذقني ثم وضعتُ طرف سيجارتي الإلكترونية على شفتي. وبتناوب اِمْتَصَصْتُ النيكوتين والكافيين، الكافيين و النيكوتين. لم تكن هاتين المادتين مهمتين بالنسبة إلى الوقت، هذا الوقت العزيز و اللّطيف بين نفسي و أنا، بَيْنَني و نفسي، الإعتزال اللّذيذ قبل بضعة أيّام بالصّحبة المستمرّة.

التّعلم – من جديد – مصطلحات الحياة الإجتماعيّة، هذه الكلمات والإيماءات التي نرسلها ونستقبلها بعضنا البعض. نوع من الألعاب التي قد نسيتها وكان علي العودة إليها. مرتين أو ثلاثة في الأسبوع القادم ، هنا وهناك ، جالسًا أو قائف أو ماشيأً دائماً دائمًا بصحبة مضيفي. كان علي أن أتكلم و بلغة المحادثات الدّاعبة، قيمها تتعارض تمامًا مع قيمي. كل ما تعتبره هذه اللغة جميل هو بشع بالنّسبة لي. ما يسليني و يضحكني يُمَثل الملل في هذه اللغة. مع الأقراب و العائلة ليس الكلام تبادل أفكار، بل إنها وسيلة لملئ فراغ. في هذه الحالات لا نبحث عن الدقة أو أي إثراء ، الأمر يتعلق إلا بملئ فراغ الصّمت و يجب أن تكون كلماتنا خفيفة و فارعة من أي شيء يمكن أن يؤذي أو يصدم الآخر أو الأخرى. لكن هذه المحادتاث و الكلمات الدّاعبة تؤذيني و تُمَزِّق اذني. لكن في هذه اللعبة الدّاعبة و التّافهة كل ما بتناقض مع الخطاب السائد يُمَثِّل الصدام و الآذاء الذين يفرض علينا إجتنابهما.


[1calendrier

أي رسالة أو تعليق؟

المنتدى اشتراك إجباري

قبل الاشتراك في هذا المنتدى، يجب أن تسجل نفسك. الرجاء إدخال أدناه المعرّف الشخصي الذي حصلت عليه. إذا لم يسبق لك التسجيل يجب ان تسجل نفسك.

الدخولتسجيلهل نسيت كلمة السر؟